يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

277

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وأما : طُوبى فمن أصلها تنبع أنهار الجنة ، وهي : الخمر والعسل والماء واللبن ، وهي مجلس لأهل الجنة ومتحدث لهم ، ورقها رياط ، وزهرها برود ، وثمرها كسوة لأهل الجنة . ويقال : إن طُوبى هذه أصلها في قصر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما في الجنة قصر ، ولا غرفة إلا وقد دخل فيها غصن من أصلها ، وذلك واللّه أعلم ، أنه لما أتانا بكلمة التوحيد الطيبة التي هي : لا إله إلا اللّه ، وغرسها بإذن اللّه في قلوبنا وصعدت بركتها إلى اللّه تعالى ، ولم يبق قلب مؤمن إلا دخله نور وخير من بركة تلك الكلمة ، وكان هو صلى اللّه عليه وسلم أصلها بهدي اللّه حتى أضاءت بها في الدنيا قلوبنا ومساجدنا وبيوتنا وقبورنا وطارت بها نفوسنا حتى سميت مطمئنة بقوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [ الفجر : 27 ] تعلقنا بتلك الأغصان ونحن في الأرض فجذبتنا إلى الجنة التي هي في السماء ودخلت علينا هنالك في قصورنا وزادتنا نورا إلى نورنا ، وبذكرنا نبينا صلى اللّه عليه وسلم يكون أصلها في قصره ، فأخذنا في زيارته وقصده ، وانتظم الشمل ، ولم نخف فراقا ، واتفقت المعاني اتفاقا ، وكان عطاء ربك جزاء وفاقا . ألم تسمع قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] أي إلى اللّه يصعد الكلم الطيب وهو : لا إله إلا اللّه ، وما جرى مجراه من الذكر ، والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب ، فلا بدّ من عمل صالح يكون على السنّة والاستقامة ، يرفع ذلك الكلم الطيب . وهذه ترجمة لقول العلماء : الإيمان اعتقاد بالقلب ، ونطق باللسان ، وعمل بالجوارح ، وبعد هذا كله رحمة اللّه . ومن كانت عنده هذه الثلاثة فهي أمارة رحمة اللّه عليه وعلامة السعادة والتيسير لليسرى إن شاء اللّه ، ولكل شيء ضد ؛ وضد هذه الأشياء فقدانها ، عافانا اللّه . فالحمد للّه على نعمه ، ونعوذ باللّه من نقمه ، وقد ضرب اللّه لنا المثل بذلك في كتابه حيث يقول : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [ إبراهيم : 24 ] الآية . وقد فسرها العلماء وأراحونا من التكلم في ذلك مما ليس لنا أن نجترئ على شرحه . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الكلمة الطيبة : لا إله إلا اللّه ، والشجرة الطيبة : المؤمن ، أصل الكلمة الطيبة في قلبه ، وفرعها ثابت في السماء أي : يرتفع بها عمل المؤمن في السماء . وقيل معنى قوله : تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [ إبراهيم : 25 ] أي : كلما صعدت إلى ربها أتاه خيرها ومنفعتها . قال الضحاك : هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن ، يطيع اللّه بالنهار والليل وكل حين ، كهذه الشجرة التي تؤتي أكلها كل حين .